عبد الله المرجاني
204
بهجة النفوس والأسرار في تاريخ دار هجرة النبي المختار
وقد أشار سيدي وجدي أبو محمد عبد اللّه المرجاني ، فيما نقل عنه من « الفتوحات الربانية » « 1 » في بعض كلام تقدمه شيء من عظيم شرف سيدنا رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم ، قال رحمه اللّه : فمن ألهم الهداية ، واتحف بجميل العناية ، اهتدى بهداه « 2 » صلى اللّه عليه وسلم ، وتتبع أوامره ، ووقف عند زواجره ، واستسن بسنته ، وهاجر إلى مدينته وشهد آثار شريف حجرته ، ليستمد من مناهل بركته ، فإذا تحقق ذلك ، فليس مقصود الكل سوى سلوك نهج سنته ، فليس المقصود إلا ذلك قرب مستوطن أبعد من بعيد لعدم ملاحظته كما وقعت الإشارة به مما يقتضي المهاجرة إلى حرمه المنيف وحرم ربه الشريف بقوله صلى اللّه عليه وسلم : « إن الإيمان ليأرز فيما بين الحرمين » « 3 » يعني مكة إذ هي مشرق طلعته ومهبط الوحي وموطن الأنس ، وحرم المدينة وهي بقعة مغرب روحه الطاهرة ، فهذا دليل على خصوصية البقعة لذاتها قبل الجواب عن ذلك ، وذلك أن الإشارة الشريفة ظهرت معجزاتها وعمت الخافقين بركتها ، وذلك أن سر الشريعة التي هي المقصد الأسنى في الإشارة ظهرت في مكة شرفها اللّه تعالى على يد الإمام الشافعي - رضي اللّه عنه - فكانت مشرفة بها نور مذهبه ، ومالك - رضوان اللّه عليه - إمام دار الهجرة ظهرت إشارته المباركة في انتحاله ومذهبه فتمت عليه بركات مغرب روحه ، فأخذ كل من الإمامين مراده صلوات اللّه عليه وسلامه بحظ وافر ، فاختص أهل الشرف بمن كسي محاسن المشارق واختص أهل الغرب بمن حلّ بملابس المغارب ، فتعلم من ذلك أن
--> ( 1 ) كتاب « الفتوحات الربانية في المواعيد المرجانية » مخطوط في التيمورية . انظر : حاجي خليفة : كشف الظنون 2 / 1237 ، الزركلي : الأعلام 4 / 125 ، كحالة : معجم المؤلفين 6 / 130 . ( 2 ) في ( ط ) : « بهديه » . ( 3 ) له شاهد في دلائل النبوة للبيهقي 2 / 520 عن ابن عمر مرفوعا ، وفي صحيح مسلم عن ابن رافع كتاب الايمان برقم ( 233 ) 1 / 31 .